الرئيسية / أهداف / ماذا قدمت الى هذا العالم ؟ (2)

ماذا قدمت الى هذا العالم ؟ (2)

حاولت الخروج من الاطار العادي للبيئة التي تكبلنا ودرست الديانة المسيحية في مدرسة تبشيرية بالمراسلة، كنت أستمع كثيرا للإذاعات التبشيرية ساعيا لمعرفة الإختلافات بيننا وبينهم، كنت أسجل العناوين، وأراسلهم بعد ذلك، كل البرامج التبشيرية تعطيك في ختامها العنوان البريدي، كنا وقتها لا نملك هواتفا محمولة او انترنت، العنوان البريدي يكفيني لاتصل بالعالم وكما اريد، كنت لا أهتم بمن أراسل، المهم أنه يعدني بتقديم ما أطلب في معرفة الدين المسيحي، كنت استمع لاذاعات تبشيرية من لبنان والفاتيكان و هولندا، ذات يوم أعلمني عون البريد في قريتي بوصول طرد بريدي باسمي، المفاجأة التي صعقتني والتي لم تكن تخطر على بالي أبدا أن الطرد كان محتويا على الانجيل، نعم الانجيل الذي طالما تمنيت تصفحه.

كنت الاول ويمكن الوحيد في قريتي الذي يتصفح الانجيل وقتها، كان سبقا صغيرا لي في تلك الأيام، قد يكون ذلك عاديا في الدول التي تضم مسيحيين، ولكن لدينا كان الأمر مختلفا جدا جدا، فلم يحصل بتاتا أن جالست مسيحيا، لا واقعيا ولا افتراضيا، ولم ادخل كنيسة قط فجهتي كلها لا تحتوي اي أثر للكنائس مهما كان نوعها، كان المسيحي في قريتي الصغيرة يعني سائحا اجنبي الملامح يتنزه في الواحه ومعه الة تصوير، كان يوما غريبا وعجيبا فعلا لدي، كان الانجيل من الورق الشفاف ولا أدري الغاية من طباعته بذلك الشكل، كنت وقتها أظن أني سأجد كتابا يشبه القرآن الكريم، ولكني صدمت عندما بدأت أقرأه، كنت تماما كمن يقرأ كتابا عاديا لمذكرات نبي، كان حديثا بشريا موجها لبشري، كان سردا عاديا لقصة سيدنا عيسى عليه السلام في ترحاله، كنت قبل ذلك أظنه كلاما من المولى سبحانه وتعالى في شكل وحي الاهي، أعترف أن الأمر فاجأني وقتها بشدة، عرفت بعدها أن الانجيل ليس كتابا واحدا، ولكنه كتبا متعددة تختلف في ما بينها، ما وصلني كان انجيل لوقا، حافظت عليه وكأنه كنز ثمين لدي، عندما اتممته لم اجد فيه القدسية التي يتكلمون عنها واستغربت جدا من تسميته بالكتاب المقدس، فقد كان كتابا عاديا جدا بل كتب بشكل غريب يجعلك تتوقف عن القراءة لولا فضولي اللا محدود، بعد ذلك سجلت في مدرسة تبشيرية بالمراسلة من خلال برنامج تبشيري اذاعي، كانت مدرسة منظمة جدا في برنامجها، بدأت الدروس من البداية، من بداية الخلق، وصولا الى السيد المسيح عليه السلام، كانت الامتحانات تجرى بشكل مشابه للمدارس العادية، كل محور يعقبه إمتحان، وهنالك اوراق خاصة بالتلميذ واخرى خاصة بالاستاذ واذا لم افهم نقطة يقع شرحها باكثر تفصيل في الرسالة القادمة، يعقب ذلك إمتحان شامل يحوصل كل المحاور التي درستها، والامتحان الشامل هذا هو ما يؤهل الناجح للمراحل المتقدمة في دراسة الكتاب المقدس والمسيحية بشكل عام، هذا الامتحان سيفتح لي آفاقا أكبر لعل أهمها إكمال الدراسة بفرنسا أو اي دولة أروبية، فهمت ذلك من خلال مقدمات الدراسة، أو هكذا أقنعت نفسي أو تصورته طمعا في هدف قد يخطر على البال يوما، ولكن للاسف لم أنجح في هذا الامتحان الفاصل، كان الامتحان شاملا فعلا لكل ما درست، كانت كل الامتحانات السابقة تدور على مستوى عام لا يشكل تناقضا أبدا بين الدراسة والمعتقد الديني للدارس، ولكن الامتحان الآخير كان مختلفا كليا، كان أبرز ما يميز هذا الامتحان السؤال الأهم فيه: هل تؤمن باليسوع مخلصا وأنه مات على الصليب لأجلك؟، كانت الاجابة التي ستفتح باب الدراسة الأعمق هو أن أجيب نعم، ولكن هذا كان من غير الممكن، كانت إجابتي بسيطة جدا على هذا السؤال: “كان تسجيلي بمدرستكم لغاية معرفة أسس الديانة المسيحية من أهلها حتى لا أظلمها في حكمي سلبا أو إيجابا، وإجابتي هي إجابة المسلم على هذا السؤال وهي لا، ولكن أرجوكم لتكن نتيجة الامتحان مشجعة لدراسة دينكم كما تريدون لا كما أقرأ من معارضيكم”، كان ردهم سريعا جدا، ظرفا ثانيا يحتوي نفس الامتحان، دون كلمة عن موقفي الفائت، وكأني لم أقل شيئا، وكأنهم لم يسمعوا شيئا مخالفا، لم يراعوا كل النقاط التي تحصلت عليها طيلة الدروس الماضية وكان التركيز الاهم على هذا السؤال بالذات، عند ذلك الوقت كنت قضيت وقتا طويلا معهم، كنت متعجبا من التنسيق بين الجمعيات التبشيرية المتعددة، فالكتب والدراسات وأشرطة الكاسيت كانت تصلني من أماكن مختلفة، من الفاتيكان، من أمريكا، فرنسا، لبنان، كان الحظ كبيرا لإسمي وعنواني في التواجد بكثير من الدول عكس صاحبه، الدروس فقط هي التي كانت تأتي من عنوان واحد لم يتغير، كان الامتحان الاخير طعما رهيبا لمن كان في سني وقتها ولمن كان في نفس الظروف، كان يمكن للإجابة البسيطة كتابيا وقتها بنعم أن تغير الدفة وتنقلني الى الضفة الأخرى من المتوسط، وتلك كانت والى الآن أمنية عزيزة للآلاف من الشباب المهمش والعاطل عن العمل، وقد تكون تلك الاجابة بنعم مجرد طعم غير خالص النتيجة من طرفهم ومسألة الانتقال الى الضفة الأخرى مجرد حلوى ترمى للدارس ليكون أكثر وداعة، أعدت نفس الجواب فأعادوا نفس الرد، كان الوقت قد حان عندها لإيقاف اللعبة، وهي لعبة لم يستطيعوا ممارستها باقتدار، وجدت طريقتهم غبية جدا في استدراج الناس للمسيحية، فهي وبذلك الشكل لن تجلب الا صنفين لا ثالث لهما: إما أبلها وساذجا وهذا لن ينفعهم بشيء أو طامعا في فيزا أو منحة دراسية وهذا سيختفي في أول منعرج يجده، لم أكن أظن أن التجارب التبشيرية وبعد مئات السنين تحمل بذور فشلها في داخلها، واقتنعت بعد رحلتي الطويلة معهم أن ما أقرأه عن تحول المسلم الى المسيحية من خلال دراسة الانجيل او من خلال دراسة كتب مسيحية هو من أغبى ما يمكن قراءته، فلا أظن أن هنالك بشرا عاقلا مهما كان ومهما يكون، حتى لو كان مسلما عاديا جدا وليس متعمقا في دينه يمكن أن يؤمن فعلا بمثل ما قدم الي لدراسته، فأقدس ما يوجد هو الانجيل، هذا اذا اعتبرنا انه هو الكتاب المقدس وجدته عاديا جدا لا يحتوي اية قدسية يمكن ان تجدها، أما إن وجد فمؤكد لن يخرج عن الصنفين المذكورين في ما سبق، كنت أتمنى فعلا وقتها لو تركوني اواصل دراستي معهم ولكن تعنتهم منعني من ذلك للاسف، الان الامر تغير طبعا ويمكن ايجاد كل شيء على الشبكة لمن اراد أن يعرف، مجرد المعرفة لأن الايمان بما يجد يخرج صاحبها من البوصلة نهائيا.

*****
سلسلة ماذا قدمت لهذا العالم؟

1 – ماذا قدمت الى هذا العالم ؟ – مقدمة

2 – ماذا قدمت الى هذا العالم ؟  (2)

3 – ماذا قدمت الى هذا العالم ؟ (3)

4 – ماذا قدمت الى هذا العالم ؟ (4)

يتبع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*