الرئيسية / عباقرة / جولة في كتاب : أنا .. ستيف

جولة في كتاب : أنا .. ستيف

في أول صفحة من كتاب مذكرات ستيف جوبز الذي ظهر بعد وفاته، نصٌ مكونٌ من أربعة سطور يقول.. “هؤلاء المجانين الذين يعتقدون أن بوسعهم تغيير العالم، هم الذين ينجحون في ذلك فعلاً”

وكأن السيد الراحل ستيف يهمس في أذنك.. يا عزيزي كلنا مجانين، كلنا نضعف في ثانية، ونسقط في لحظة ونعود لنحيا.. كلنا كلمنجية، لكن يبقى للحلم بداخلنا تأثير السحر، فعش له ومت عليه، ولا تُبالي بأمسٍ مجحف

كتابٌ مثير!! ولقطات توقظ فيك الحياة، رغم خناجر السم المارقة التي تمزق الأحشاء ، رغم كل الشجن في الكثير من التفاصيل والألم، إلا أنها تُنادي فيك الحلم الغائب وتصفع اليأس بقوة ليتهاوى سبعين ألف خريفاً بعيداً عن قلبك وساعدك.. وروحك

فستيف الذي أكتشف في بداية عمره أنه يعيش بين كنفي أبٍ وأمٍ بالتبني، أصر من خلال صفحات مذكراته أن يحكي لنا قصة ألم تحولت إلى أمل، وكيف انقلبت رحلة اليتم والغربة المريرة التي عاشها إلى زيارة مكوكية إلى القمر

لازال يذكر تلك المرة التي نعته أحد رفاقه باللقيط، ليذهب باكياً محتمياً في زاوية مظلمة تأويه من قسوة الأيام، لكن ما لبث أن أحدثت تلك القصة شيئاً في القلب الصغير، لتصنع منه فارساً مقداماً وهو لايزال في ريعان الصبا

يسترجع ذكرياته مع والده بالتبني، ذلك الميكانيكي البسيط، والذي قال له ذات يوم “إياك يا بني أن تُهمل التفاصيل التي لا تراها الناس.. اهتم بالباطن كما هو الظاهر”، ليعترف من على منصة مذكراته أنه كان درسُ عمرٍ ونصيحةُ حياةٍ بأسرها، وكأنه يهمس باسماً..هذا هو سر شخصيتي ومفتاح تميزي

أمّا السيد الموقر والتر إساكسون، المؤلف النشط الذي كتب السيرة الذاتية لأشهر شخصيات العصر، أنشتاين، كسنجر، فرانكلين، لم يدر بخلده وهو الرئيس السابق لقناة “سي إن إن” الإخبارية أنه سيكتب قصة تهز وجدانه وتترك أثرها في حياته المهنية رغم صخبها وازدحامها بالأحداث. يسترجع مشاعره حين حادثه ستيف ليخبره أنه يُريده هو تحديداً ليوثق قصة حياته، فإذ به يتردد في قبول العرض.. مجيباً: لازلتَ في البداية ستيف ولربما حمل الغد بصمات أو نكسات يجب أن تُضاف لسجل ذكرياتك، لكنه ما لبث أن استجاب لطلب ضيفه على مضض، معترفاً: أسرني صدقه، عناده، إصراره.. وأذهلني عدم تدخله في المادة التي ستُنشر عنه، وكأنه لا يُبالي!! لتكتمل رحلة الذكريات بعد أربعين مقابلة شخصية ومئات اللقاءات والحوارات مع كل من مر من هنا، لتكون الحصيلة ذلك الكتاب الثري

ستيف جوبز الذي عاش خمس وخمسون عاماً بألف سنةٍ مما يعد أصحاب الهمم البلاستيك، رحل بعد أن غيّر حياة البشرية وأضاف نكهة لذيذة!! ستيف لم يكن سوى عاشقاً، فكانت حياته معركة على حبيبة تُسمى أبل

ستيف البارع لم يكن مجرد نابغة في عالم الأعمال بل معطاءً أراد أن يعلمنا بعد رحيله قصة ، وكأنه يصرخ في كل قلبٍ فينا.. احلم أنك السلطان وأن بيديك مفاتيح المستقبل، اجمع الناس على الأمل.. احلم أن لك ألف عمر لكنك قررت أن تعيشه في عمرٍ واحد لتصنع من مشوارك قصة فريدة تختلف عن سائر الروايات الباردة السقيمة

وكأنه يغمز في سخرية من كل عثرةٍ وريحٍ ماكرة.. كن ناراً لا تذر عائقاً ولا سداً إلا أحرقته، أزلته، حطمته، كن عنيداً في حلمك، كن مجنوناً وهل أجمل من جنون العشاق.. كل عام وقلبك الشاب يبتسم وسط المعركة

لكن لأن النهايات لا تكون دائماً سعيدة، تربّص المرض الخبيث خلسةً بستيف في ساحةٍ وسحقه، لم يتمكن أن ينتصر في معركته الأخيرة ، وهل بوسعنا أن ننتصر دوماً في كل المعارك؟!! هراء.. لكن حتى في مشهد النهاية، أصر ستيف أن يُتم مذكراته، وأن يُزاول عمله إلى آخر لقطة، وكأنه يُشير إليك هامساً في نظرةٍ غامضة.. أروع وأسعد وأجمل لحظة في الحياة، حين تستشعر بصمتك في المكان، ترى رسمها على الورقة، ظلها على الجبين، وقعها على سطح القلب.. يومٌ بلا عمل، يوم غير محسوب من عمرك.. فانهض وافعل شيئاً مختلفاً رغم كل شيء

نعم، نجح واحد من أكثر الرؤساء التنفيذيين لمعاناً في هذا العصر في أن يصنع من نزفه رواية خلابة لقصة حياة مثيرة، وأكتسح الحدود بصدقه، بوفائه لمحبوبته.. فهل تعلمنا معنى أن نعيش لأحلامنا ؟

خذ قراراتك الآن واعمل على إدارتها طيلة حياتك ، فإن طرق الماضي الباب معترضاً لا تفتح، دعه ينبح..بل تأكد أنك توصد الباب بألف قفلٍ ومفتاح ، وأنك تقف على نافذةٍ ساحرة تطل على واحة المستقبل الأخضر.. أمامك قصة ليست من قصص ألف ليلة وليلة، لكنها قصة عمرٍ مشرقة وقلبٍ حي كان هنا وبقي ينبض رغم رحيله

رابط تحميل الكتاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*