ملحمة الوجود بين الوالد والمولود

قصة من الماضي، تحمل من العبر الكثير، أنقلها لكم شاكرا للكاتب قدرته الكبيرة في نقل احاسيسه بشفافية رائعة. أرجوك تفضل هنا.. .. ..

منذ 50 سنة بالتمام والكمال، كانت إحدى العائلات بضاحية من ضواحي صفاقس (1) الصامدة تستعد لحدثين سعيدين: الأول الاحتفال بالعيد الثاني عشر لميلاد الابن الأكبر والثاني انتظار مولود جديد ستضعه الام بين يوم وآخر.
اقترب الموعدان وتزاحما، وكان الأسبق هو الموعد الثاني، كان يوما رهيبا والحدث فيه جلل ورغم مرور نصف قرن عليه الا أنه مازال ينبض حياة كأنه حدث بالامس القريب.
ذلك اليوم، مثل الفاصل الدقيق بين الحياة والموت، بين المولد والوفاة، بين البداية والنهاية. واليكم ما حدث باختصار ….
أيقظت الام الحامل كالعادة ابنها الاكبر الذي يستعد لامتحان نهاية السنة الأخيرة من التعليم الابتدائي للترشح لشهادة “السيزيام” (2)، وأعطته كل ما أعدت له من فطور الصباح الى الملابس النظيفة الى الحنان الرباني الذي لا تشوبه شائبة، الى الدعاء له بالطف العبارات والأماني بالنجاح، وأخيرا الى الوداع … الوداع المصحوب بنظرة ثاقبة وابتسامة خالدة رقيقة حتى عتبة الباب الخارجي …
لكن شيئا ما دفع الطفل المحب بعد أن قطع بضع خطوات ثقيلة الى العودة الى حضن أمه التي كانت تجلس في ركن من أركان البيت شبه المظلم، الا من شعاع نور وجهها الملائكي الجميل، فراح يقبلها … ويقبلها … فضمته الى صدرها راجية منه الاجتهاد في الدراسة حتى النجاح، ممنية إياه بمفاجأة آخر النهار عند العودة من المدرسة، قد تكون المولود الجديد، ومفاجأة أخرى بمناسبة عيد ميلاده فاطمأن الطفل … وتوجه نحو المدرسة بخطى ثقيلة على غير عادته.
وعلى الساعة الرابعة مساءا من ذلك اليوم، وبينما كان الطفل شاردا يفكر في ما قد تهديه له أمه في هذا اليوم التاريخي، دخل مدير المدرسة القسم .. فتوقفت أنفاس التلاميذ وتقدم نحو المعلم فاسر له ببعض الكلام ثم نادى الطفل طالبا منه مصاحبته، فلم يفهم أحد معنى ذلك، أو تفسيره وأذعن المسكين لأوامر المدير.
وأمام مكتبه فوجئ بوالده ينتظره، وهو أمر غريب لم يحصل من قبل الا مرة واحدة في حياته المدرسية، فأخذ بيده وسار الاثنان دون أن ينبس أحدهما بكلمة واحدة حتى الوصول الى “الجنان” في احواز صفاقس الصابرة.
كان باب الحديقة مفتوحا على مصراعيه على خلاف العادة، والحركة حول المنزل غريبة ثقيلة .. والزمن واقف ينظر بقسوة الى الطفل الذي لم يفهم شيئا، ولم يكن يهمه أن يفهم الا شيئا واحدا هو أمه .. وما فعلت .. وما حالها .. وما أعدت له من مفاجآت وعدته بها.
اقترب المسكين من نافذة بيت أمه القريبة من الارض، فجثم على ركبتيه ينظر داخله عله يرى شيئا لكنه لم يشع ثغر أمه بابتسامتها المعتادة .. ولم تناده باسمه كالعادة .. بل سمع حشرجة غريبة … وبكاءا خفيفا .. واشتم رائحة لم يتبين مصدرها ولا مغزاها .. أهي روائح الميلاد؟ أم عطور سبق له أن اشتمها يوم وفاة جدته؟
أسرع الطفل المحتار بخطوات جنونية داخل الغرفة، والقى بنفسه على أمه يضم صدرها، وكان له برهة قبل أن يكتشف أن صدرها بارد .. وأن ثغرها لا ينبس بعبارة .. وعيناها لا تشعان نورا .. فقد  كانت مسجاة .. ممتدة على فراشها .. وبقية الحرارة في جسدها تدل على أنها فارقت الحياة قبل وقت قصير جدا، وأنها أسلمت روحها الى ملائكة الموت الذين غادروا الدار توا ..
خرج الطفل الملوع يبكي ويصيح يجري هنا وهناك محاولا الالتحاق بملك الموت لعله يلتحق به ويفاوضه من أجل أن يعيد الحياة لأمه ولو مؤقتا حتى يتمكن من الاحتفال معها بعيد ميلاده، ويتسلم منها هدية العيد.
لكن ملك الموت كان الاسرع، والطريق الذي سلكه لا يعرفه أحد، فعاد الطفل الى جثمان أمه الطاهر يحضنه كامل ليلة الفراق .. وكانت ليلة طويلة .. وما أطول ليالي الاحزان على خلاف ليالي اعياد الميلاد التي تمر بسرعة غريبة ولا تعود الا بعد عام كامل من الانتظار.
هذه قصة الطفل الذي هو أنا .. والام هي أمي واسمها “قمرة” وما حدث ليس سوى الحقيقة التي عشتها  ولكن باختصار رحمة بالقارئ.
يوم وفاة أمي كان يوم انتظار المولود الجديد وهي قصة كانت مالوفة جدا في القرن الماضي، لأن موت الحامل كان احتمالا واردا لكل امرأة، فاما خلاص .. وإما مماة .. اي إما فرحة بالمولود الجديد الذي سيتمسك مستقبلا بالاحتفال بعيد ميلاده السعيد وإما نهاية الام وموتها وهي على كرسي القابلة فتبقى الذاكرة تحتفظ بالحادثة الاليمة مدى الدهر.
أية مفارقة هذه التي تقترن فيها لحظة الحياة بالموت ، لحظة البداية بالنهاية، ولعل أصعب المواقف أن تموت الام ويحي الابن باعجوبة فيكون يوم عيد ميلاده هو نفسه عيد استشهاد أمه. فهل يشعر هذا الابن بنفس الشعور الذي يشعر به أي طفل آخر لم تمت أمه يوم عيد ميلاده؟
إنه سؤال آرقني منذ يوم وفاتها، 50 سنة خلت، ولم أجد سوى كتابة هذه الاسطر آسف فيها حظي العاثر الذي لم يسمح لي بأن أنفذ خاطرة راودتني دائما وهي أن أهدي يوم عيد ميلادي كل الهدايا التي تصلني الى أمي. وأن أتولى تقديم أغلى وأحلى هدية لها، لأن في ذلك اليوم كان بالامكان أن تموت وأن لا تنجبني أو أن تموت بعد أن ينقذني الاطباء.
أملي أن يقرأ هذه الورقة الأبناء الذين يتمتعون بما حرمت منه منذ صغري وهو وجود أمهاتهم الى جانبهم فيتولون القيام بالواجب الذي لم تمنحني الحياة فرصة القيام به وأن لا ينسوا الام التي كانت سببا في وجودهم .. ويستحضروا سر ملحمة الوجود بين الوالدة والمولود وما عانته المسكينة من آلام في حملهم ومخاضهم، ووضعهم في غمرة الفرحة بعيد ميلادهم وأن يكون شعارهم هو “عيد الميلاد فرحة للأبناء والهدايا للأمهات”…

بقلم : الاستاذ فتحي عبيد
المصدر: جريدة الصريح التونسية بتاريخ 20 أفريل 2010

*********************

توضيح بعض المصطلحات:
(1) صفاقس: مدينة الكاتب وهي مدينة كبرى بالجنوب التونسي
(2) السيزيام: كلمة فرنسية وتعني المناظرة النهائية التي يجريها التلميذ في ختام السنة السادسة ابتدائي لينتقل بعدها للدراسة الثانوية.

*****************************
طلب: الرجاء من كل من يقرأ هذا الموضوع رفع يديه داعيا المولى سبحانه وتعالى ليرحم هذه الام الرائعة ، وأن يرحم كل أمهاتنا  ويسكنهن فسيح جناته.

16 تعليقات
  1. بقلم المؤمن يقول

    الله يرحمنا وجميع المسلمين وان تكون نهايتنا نهاية شريفة

  2. لينة يقول

    حلوه القصة، عمري ما قرات قصة احلا منها

  3. الدمعة الحزينــــــــــــة يقول

    الله يعين الولد المسكين ،والله يرحم امه،وحلوة القصة ،الله يجزاكي خير………..

  4. zaynab يقول

    الله يرحمها ودعو لها انت بالرحمة و الغفران

  5. ريماااااااااااااس يقول

    الله يرحمهم جميعن

  6. ريماااااااااااااس يقول

    قصه جميله

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.