الرئيسية / ركن الاسرة / وصايا الفشل المر (3)

وصايا الفشل المر (3)

 
 طيلة شبابي وقبله أيضا كنت قارئا من الرعيل الأول، كنت أقرأ كثيرا فعلا وهذه القراءات تنوعت كثيرا وفق تطور العمر ، ويمكن البيئة التعيسة التي كنا نعيش فيها ساهمت في ذلك فاحيانا يسهل الله ليكون الفراغ المطبق دافعا لهواية غريبة قد تظهر بين السكون، فقريتي الصغيرة الواقعة في جنوب الجنوب بتونس كانت لا تحتوي شيئا، لا شيء مطلقا، مركز الولاية ايضا كان فراغا رهيبا يفزع، مما أذكر انه نادرا ما تقام بعض الانشطة او المحاضرات، كانت فرصتنا كبيرة ونحن صغارا في النشاط ضمن فوج الكشافة بالقرية والذي كونه معلم من خارجها ولكن حتى هذه سيست سريعا وتوقفت بعد وقت ليس بالطويل، كانت كل حياتنا عندما كنا صغارا ملتحمة التحاما كبيرا بالطبيعة وهذا رائع فعلا ولكنه كان التحاما لا يعلم شيئا للاسف لانه كان غير منظم وغير مؤطر ليعلم من خلال ذلك اللهو الصبياني الجميل، عندما تنشر صورة او مقال عن تلك الفترة، او الفترات التي قبلها تلاحظ الالم يعتصر كل من يتدخل ليتفاعل وابرز ما سوف تجده آهات من نوع “آه .. ذلك الزمن الجميل”، ولا أعرف جماليته أين تكمن تحديدا؟، حتى صورة تحتوي تعبنا الرهيب في جلب الماء للمنزل او جلب الاعشاب لقطيع الاغنام على “الكريطة” (عربة تقليدية للتنقل وحمل البضائع يقودها حمار او بغل) تنال اهتماما كثيفا وتفاعلا محيرا وأنا نفسي اعشق تلك الصور وتلك الذكريات فعلا، نحن لدينا حنينا كبيرا للسكينة والهدوء وراحة البال كما كانت تتصف تلك الفترة، رغم انها كانت فقرا وخصاصة وأمية وعادات ما أنزل الله بها من سلطان، وحسب رايي ان اعجابي واعجاب جيلي والاجيال التي سبقتنا بذلك ناتج عن عدم القدرة عن استيعاب الحاضر الذي وصلنا اليه والذي نراه سلبا مطلقا رغم ما فيه من ايجابيات، فانا وكل جيلي لا تعجبنا تسريحات الشباب الحالي ولا لباسه ولا منطقه ولا تصرفاته وكبرنا وبدات قطع الجسم تتعطل واحدة بعد اخرى وتغير المناخ الطبيعي والمناخ السياسي والمناخ الاجتماعي وحتى الاقتصادي لتصبح نظرتنا نحن ايضا منقوصة وغير دقيقة وبدانا نحكم على الحاضر بتجاربنا التعيسة تلك فاذا كان السيد علي بن ابي طالب رضي الله عنه يوصينا بتربية ابنائنا على غير عاداتنا لانهم من عالم آخر غير عالمنا ، نرفض نحن ونأبى الا محاولة تطويع الامر ليكون لزوم ما لا يلزم، فتزداد الفجوة اتساعا ويصبح كل أب من جيلي في قطيعة مع ابنه وكل من تحدثه ستجده يعاني الامرين من هذا الامر، فحتى لو كان الابن متخلقا وممتازا في دراسته فلا بد ان نجد كآباء او أمهات بلاوي نتشبث بها لنثبت فشل ذلك الابن والحقيقة اننا نسبح ضد التيار فعلا وأننا اذا لم نغير الاتجاه فسوف يجرفنا رغما عنا.
تلك التربية التي تربينا عليها جعلتنا في قطيعة مع هذا الواقع وقد يكون نحن من لم يتغير وليس هذا الجيل فنحن تسمرنا بمسمار غلفه الصديد لنبقى جامدين لا نتزحزح، بل اصبح من البديهي الاقرار بفساد هذا الجيل والاجيال القادمة حتما رغم ان اجيالنا لم تقدم شيئا لهذه الارض وان ما نعيشه حاليا هو نتاج جيلي وكل الاجيال التي سبقتنا وان تعاسة هذا الجيل – لو سلمنا بصحة هذا الراي – هي نتيجة افعالنا نحن بالضرورة.
ميزة جيلي والاجيال السابقة هو غلبة مسحة الكآبة على الوجوه ومن العادي جدا والبديهي ايضا ان يقابلك صباحا صديق مكفهر الوجه وكأن الوحي نزل عليه يخبره أن هذا اليوم هو آخر يوم في حياته، فتسأله عن سبب حزنه وتجهمه فيقول لك “لا ادري”، هكذا اصبح الحزن والكآبة جزءا من شخصيتنا ومن طبيعتنا لدرجة ان الشخص فينا لو ابتسم في مسجد لالتفت اليه عشر مصلين شزرين غاضبين يخبرونه انه في المسجد وعيب ما يفعله، حتى عندما نرى في التلفزيون الالاف يرقصون في المهرجانات وكلهم سعادة وانشراح والابتسامة تعلوهم جميعا نحزن نحن على حال هذه الامة التي ضاعت ونتهمهم جميعا بالسكر والعهر وفراغ الدماغ ليرقصوا عوض منفعة البلد بتلك الملايين التي صرفت وكاننا اصحاب هذا الراي نفعنا هذا البلد بانجازاتنا العظيمة، اضحكني مرة صديق طلب مني رقم شيخ من الشيوخ وكنت لا املك رقمه فاعتذرت ولكن قلت له انه عمل معي مدة ليست طويلة وقد يكون رفم هاتفه في ادارتنا وسوف اسعى لمده به، نسيت الامر للاسف وقابلته بعد ايام فقال لي انه وجده واتصل به وعرفوا الفتوى التي سيسالون عنها، هم مجموعة اختلفوا في مسألة، نحن في الجنوب لدينا منتوجا فلاحيا متمثلا في التمور، لو ربح الفلاح من محصوله 50 مليونا او 100 مليون واخرج العشر واحتفظ بالباقي في البنك، هل يعيد اخراج العشر لو مرت على المبلغ سنة؟، قلت له وهل انت والمجموعة تربحون 100 مليون من التمور او 50، قال لا، سالته وهل تربح 10 او حتى مليون واحدا، قال لا، اذا انت والمجموعة تلك لما تسالون؟، فانتم لستم طلاب علم ولا شيوخ ولا تسعون لعلم اذن لماذا تضيعون وقتكم ومالكم ووقت الشيخ على مسالة لا تهمكم ولن تهمكم ولو بعد 20 سنة، قال لي فلان الفلاني يربح اكثر من 200 مليون من التمر فاردنا ان نحتسب مقدار ما يخرج ووووو وتلك من بلاوينا اننا اهملنا حالنا لنهتم بغيرنا ونحن نظن اننا نغير العالم.
في قريتي وفي كل قرى جهتي، وعبر سنين عدة لم يعترضني شخصا يمارس هواية، مهما كانت هذه الهواية، شطرنجا او سباحة او حتى رقصا، الهواية الوحيدة المتوفرة هي كرة القدم ونحن فيها لسنا بارعين ايضا، لا يوجد لدينا هاويا لعزف العود او البيانو او الرسم او النحت او التمثيل او البراعات اليدوية، لا شيء على الاطلاق، صحراء جافة لا تنتج الا الشوك، وحتى لو وجد سندفنه حيا باهمالنا والاستهزاء منه حتى يهرب من هوايته فرحا ان بقي عقله سليما، هذه الاجيال هل يمكنها اخراج اجيال سعيدة ومحبة للحياة؟؟
من خلال تجاربي البسيطة مع اطفالي اكتشفت الوجه الجميل لطبيعتنا الصحراوية ، الكثبان الرملية، النخيل الباسق في السماء، ولكن يجب ان يكون الاحساس بهذا الجمال مؤطرا للاطفال ليستوعبوه ونحن الكبار احساسنا بهذا الجمال يعادل الاحساس بجمال خنفساء سوداء فوق الرمال المتوهجة، حتى ونحن في الكلية حيث قمة الرقي كما يبدو، كنا نصطف جهويا واحيانا ايديولوجيا، لا نكون صداقات مع الغير الا بصعوبة شديدة، ونحس بالنقص الحاد امام الاخر لهجة ولباسا وطبيعة، في قرانا علمونا أننا أرجل ما خلقت الارض، واشجع ما انبتت، وأن كرمنا مضرب الامثال في كل البلاد وقد يفوق كرم حاتم الطائي، واننا محل ثقة لا نغش ولا نسرق ولا نفعل بلاوي غيرنا، أننا نتصف بالاحتشام وبناتنا حافظات للشرف عكس كل عهر المدينة حيث الفساد مرميا ببساطة شديدة على قارعة الطريق، فعشنا حياتنا مشككين بهذا الغير، حذرين جدا في التعامل معه، حتى من يخرج من قوقعته يوما يكون متيقظا حارسا لمحفظة نقوده رغم انها لا تستطيع ان توفر له عشاء فاخرا واحدا في نزل فخم، حياتنا كلها عقدة لفتها عقدة اخرى لنكون مجموعة من العقد تجرف الكل امامها ونحارب كل متغير حتى لو كان رائعا باسم الحفاظ على الدين والعادات والحفاظ على شباب سيضيع بهذا التغير والمصيبة اننا عندما نتفحص بصدق حالنا أجدنا فعلنا كل المنكرات ولم نترك لابليس الا الفتات، الدراسة لدى جيلي والاجيال السابقة كان شعارها “العصا لمن عصى” وهذه العصا أنتجت أجيالا معقدة فارغة لم تضف شيئا الا كثرة الضجيج اينما حلوا، والحال المبكي الذي نعيشه حاليا وكل التخلف الذي نتخبط فيه هو نتيجة عمل جيلي والاجيال السابقة، وان ذلك الزمن الجميل الذي نحن اليه ونعشقه ونتأسف على ضياعه هو سبب كل كوارثنا هذه التي تتفاقم يوما بعد يوم.
………. يتبع
***************
وصايا الفشل المر … تدوينات أب في شكل وصايا لولده انطلاقا من فشل أجيال كاملة لغاية توضيح المسار من أجل حياة يتمنى ويرجو ان تكون اكثر سعادة ووضوحا ونجاحا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*